Subscribe via RSS Feed

الى العمّال الأقدم في التاريخ

[ 6 ] January 31, 2010 |

عدد العاملين بأجر في لبنان هو نحو 579 ألفاً و298 أجيراً، يضاف إليهم نحو 115 ألفاً و88 مياوماً أو عاملاً على القطعة أو بأجر أسبوعي أو موسمي، فضلاً عن نحو 350 ألف مستخدم يعمل في خارج لبنان. ويقدّر عدد العاطلين عن العمل بنحو 176 ألفاً و313 عاطلاً عن العمل… أي إن عدد الذين تنطبق عليهم صفة «عمّال لبنانيين» يصل إلى مليون و220 ألفاً و699 عاملاً، وذلك بحسب إحصاءات محمد زبيب(الأخبار، 30 نيسان) الذي استعان بدوره بـ إدارة الإحصاء المركزي لعام2007. ولكنني أقول، وبكل ثقة، أن هذه الإحصاءات ليست دقيقة، بحكم أنها تهمل شريحة من عاملين وعاملات لبنان: عمّال الجنس.

photo from xeni.net

تتعذر الإحصاءات الوطنية حول المهنة الأقدم في التاريخ، تليها مهنة السياسة، ورغم ذلك، لا يمكن للرائي إلا أن يلاحظ مكانتها في بلاد الأرز والسياحة. ومن باب بعض ما أعرف، امتهان الجنس لا يمارس كخدمة سياحية تدر العظيم من أموال بلاد الذهب الأسود فقط، بل هي في الأحياء والزواريب وبجانب جبال “الزبالة”، للشبع والإشباع الوطني أيضا. من هنا توجبت حماية حقوق ممتهني الجنس من الابتزاز والعنف والاتجار، وحماية المستهلكين من مفاعيل الخدمات الجنسية، وفي مقدمتها الأمراض المنقولة جنسياً.

الأمر ليس معقداً بالنسبة إلي ولا يحتمل الكثير من الجهد الفكري أو المساءلة أو المناورة وصولاً إلى الإدانة قولاً وفعلاً. وأنطلق من المعتقدات الآتية:

1- الإنسان حر في اختياراته، ومن ضمها المهنية. وأي اختيار كان لا ينقض إنسانيته.

2- لا يحق لي، كإنسانة، الحكم على خيار الآخرين سيما إن كان بامكاني اختيار الانخراط من عدمه فيها.

3- يحق للإنسان عدم التعرض إلى العنف الجسدي والنفسي والاقتصادي.

4- يحق للإنسان عدم التعرض إلى الاستغلال الاقتصادي والجسدي.

5- الاتجار بالإنسان جريمة.

6- المرأة هي إنسان كامل. الرجل هو إنسان كامل.

أنطلق من هذه المعتقدات، قبل توثيقها في الاعلان العالمي لحقوق الإنسان (1948) وبعده أو في شرعة الحقوق المدنية والسياسية (1966) وقبل توقيع لبنان عليهما (على التوالي 1948 و1973) وبعده، لأؤكد أحقية عمال الجنس بالقوانين الحمائية وحكم هذه القوانين.

هنا، أنا لا أدافع عن مهنة البغاء أو أمقتهاـ ولكنها حقيقة موجودة، يمارسها أناس مثلنا، سواء أدانتها مجتمعاتنا أو إعترفت بها. لذا اعترافاً منا بالحقوق الحمائية التي يستحقها ممارسو البغاء بحكم إنسانيتهم، توجبت حمايتهم من دون الحكم عليهم. ولدى عمال الجنس حقوق في العديد من البلدان ولكنني لا أريد الخوض في ذلك لأنه ليس بمعيار.

ماذا بعد؟ للذين يقولون إنّ المرأة أو الرجل يُجبران على ممارسة البغاء، أقول “ربما” ولكن يمارس العديد من الشابات والشبان أيضاً مهناً تحت وطأة الضغط كالمحاماة مثلاً أو الطب. وربما، فقط ربما، الشرمطة خيار لشرموطة أو أكثر. مهما تكن الأسباب، هي مهنة قائمة بحد ذاتها.

المؤسف أن بنات وأبناء الهوى يعانون الأمرّين من عنف جسدي ونفسي ويتعرضون إلى الابتزاز مراراً. هذا عدا عن الاتجار بهم.

والسبب ليس فعل البغاء بحد ذاته بل عدم حماية الدولة لحقوقهم الإنسانية. فبحكم القوانين، قد لا يستطيع أي قواد أن يستغل “شراميطه” أو ان يكسب من عرق جبينهم، أو أن يمارس “العرسة” أي سلطة كانت عليهم. بالأخص، لا يستطيع إجبار الفتيات والفتيان على ممارسة ما لا يريدونه. من جهة موازية، من مسؤولية القوانين حماية “الزبائن” من خلال الاحتكام الى معايير نظافة محددة كاستعمال الواقي مثلاً. عندما ترى المهنة النور، يذهب العفن المتأصل فيها.

الطريف أنّ من نتائج قوننة البغاء الحد منه، أي لا “يدخل المهنة” إلاّ من يختار ذلك سبيلاّ.

وللمنفجعين على أخلاقياتنا، نحن مستقبلهم، أقول إنه ربما من همة خطط اقتصادية موفقة، ولو لمرة، أن تحد من الفقر الذي قد يدفع بالأفراد إلى ممارسة ما لا يريدونه، من ضمنه، على سبيل المثال لا الحصر، البغاء. بل والأكيد أنّ الانفتاح الجنسي، أي “الانفتاح” قبل الزواج، بكل ما في ذلك من نقاء وحب، أن يحدّ من ممارسة الدعارة.

أعرف أنّ هذا مطلب مبكر على بلد طائفي واستزلامي وأبوي فاسد وتعيس، حيث لا يحصل أي عامل على حقوقه الإنسانية أو الاقتصادية أو الاجتماعية، وفي حين تدان فيه الحرية الجنسية وقف المادة 534 وتقتَل المرأة من أجل الشرف ولا يحق لها حتى نيل الحماية من العنف الأسري. أعرف أن الوصول إلى المطلب شبه معجزة، لكن ماذا عن الاعتراف بأحقية هذا المطلب ضمن المطالب العمالية؟ ماذا لو نعّيدهم في عيد العمال؟

عدد العاملين بأجر في لبنان نحو 579 ألفاً و298 أجيراً، يضاف إليهم نحو 115 ألفاً و88 مياوماً أو عاملاً على القطعة أو بأجر أسبوعي أو موسمي، فضلاً عن نحو 350 ألف مستخدم يعمل في خارج لبنان. ويقدّر عدد العاطلين من العمل بنحو 176 ألفاً و313 عاطلاً من العمل… أي إن عدد الذين تنطبق عليهم صفة «عمّال لبنانيين» يصل إلى مليون و220 ألفاً و699 عاملاً، وذلك بحسب إحصاءات محمد زبيب(الأخبار، 30 نيسان) الذي استعان بدوره بـ إدارة الإحصاء المركزي لعام2007. لكني أقول، وبكل ثقة، أن هذه الإحصاءات ليست دقيقة، بحكم إنها تهمل شريحة من عاملين وعاملات لبنان: عمّال الجنس.

تتعذر الإحصاءات الوطنية عن المهنة الأقدم في التاريخ، تليها مهنة السياسة، ورغم ذلك، لا يمكن للرائي إلا أن يلاحظ مكانتها في بلاد الأرز والسياحة. ومن باب بعض ما أعرف، امتهان الجنس لا يمارس كخدمة سياحية تدر العظيم من أموال بلاد الذهب الأسود فقط، بل هي في الأحياء والزواريب وبجانب جبال “الزبالة”، للشبع والإشباع الوطني أيضا. من هنا وجب حماية حقوق ممتهنين الجنس من الابتزاز والعنف والاتجار، وحماية المستهلكين من مفاعيل الخدمات الجنسية، وفي مقدمتها الأمراض المنقولة جنسيا.

الأمر ليس معقد بالنسبة لي ولا يحتمل الكثير من الجهد الفكري أو المساءلة أو المناورة وصولا إلى الإدانة قولا وفعلا. وأنطلق من المعتقدات الاتية:

1- الإنسان حر في اختياراته، ومن ضمها المهنية. وأي اختيار كان لا ينقض إنسانيته.

2- لا يحق لي، كإنسانة، الحكم على خيار الآخرين سيما إن كان بامكاني اختار الانخراط من عدمه فيها.

3- يحق للإنسان عدم التعرض للعنف الجسدي والنفسي والاقتصادي.

4- يحق للإنسان بعدم الاستغلال الاقتصادي والجسدي.

5- الاتجار بالإنسان جريمة.

6- المرأة هي إنسان كامل. الرجل هو إنسان كامل.

أنطلق من هذه المعتقدات، قبل وبعد توثيقها في الاعلان العالمي لحقوق الانسان (1948) أو في شرعة الحقوق المدنية والسياسية (1966) وقبل وبعد توقيع لبنان عليهما (على التوالي 1948 و1973)، لأؤكد أحقية عمال الجنس بالقوانين الحمائية وحكم هذه القوانين.

هنا انا لا أدافع عن مهنة البغاء أو أمقطهاـ لكنها حقيقة موجودة، يمارسها أناس مثلنا، سواء أدانتها مجتمعاتنا أو إعترفت بها. لذا اعترافا منا بالحقوق الحمائية التي يستحقها ممارسو البغاء بحكم إنسانيتهم، وجب حمايتهم دون الحكم عليهم. ولدى عمال الجنس حقوق في العديد من البلدان لكني لا أريد الخوض في ذلك لأنه ليس بمعيار.

ماذا بعد؟ للذين يقولون أن المرأة أو الرجل تجبر أو يجبر على ممارسة البغاء، أقول ربما لكن أيضا يمارس العديد من الشابات والشبان مهن تحت وطأة الضغط كالمحاماة مثلا أو الطب. وربما، فقط ربما، الشرمطة خيار لشرموطة أو أكثر. مهما تكن الأسباب هي مهنة قائمة بحد ذاتها.

المؤسف أن بنات وأبناء الهوى يعانون الأمرّين من عنف جسدي ونفسي ويتعرضون للابتزاز مرارا. هذا عدا أن الاتجار بهم.

والسبب ليس فعل البغاء بحد ذاته بل عدم حماية الدولة لحقوقهم الإنسانية. فبحكم القوانين قد لا يستطيع أي قواد أن يستغل “شراميطه” أو ان يكسب من عرق جبينهم، أو أن يمارس “العرسة” أي سلطة كانت عليهم. بالأخص لا يستطيع إجبار الفتيات والفتيان على ممارسة ما لا يريدونه. من جهة موازية، من مسؤولية القوانين حماية “الزبائن” من خلال الاحتكام الى معايير نظافة محددة كاستعمال الواقي مثلا. عندما ترى المهنة النور، يذهب العفن المتأصل فيها.

الطريف أن من نتائج قوننة البغاء الحد منه، أي لا “يدخل المهنة” إلا من يختار ذلك سبيلا.

وللمنفجعين على أخلاقياتنا، نحن مستقبلهم، أقول انه ربما من همة خطط اقتصادية موفقة، ولو لمرة، أن تحد من الفقر الذي قد يدفع بالأفراد على ممارسة ما لا يريدونه، من ضمنه على سبيل المثال لا الحصر البغاء. بل والأكيد أن الانفتاح الجنسي، أي “الانفتاح” قبل الزواج، بكل ما في ذلك من نقاء وحب أن يحد من ممارسة الدعارة.

أعرف هذا مطلب مبكر على بلد طائفي واستزلامي وأبوي فاسد وتعيس، حيث لا يحصل أي عامل على حقوقه الإنسانية أو الاقتصادية أو الاجتماعية، وفي حين تدان فيه الحرية الجنسية وقف المادة 534 وتقتل المرأة من أجل الشرف ولا يحق لها حتى الحماية من العنف الأسري. أعرف أن الوصول إلى المطلب شبه معجزة، لكن ماذا عن الاعتراف بأحقية هذا المطلب ضمن المطالب العمالية؟ ماذا لو في عيد العمال نعيّدهم ؟

Category: hereandthere من هنا وهناك, Sex Work عمل الجنس, Workers' Rights

About Nermine Al Horr: Nermine is a regular writer at sawt. She lives in Beirut. View author profile.

Comments (6)

Trackback URL | Comments RSS Feed

  1. claudine says:

    I’m still new in Nasawiya, I went hesitant to the first 2 meetings because I’ve been disappointed enough in Lebanon by our society and the so-called feminist groups. Reading articles like this one gives me hope. IMO, that’s the perfect, logical approach. I absolutely love the metaphor about the light and the mildew! Legalizing prostitution would not only protect the workers but also the clients. Plus, most people do have sexual “experience” before marriage. There are many ways to avoid penetration and many can resort to surgery to fix their hymens (sorry for the TMI, it’s just frustrating to see people’s emphasis on that while it can easily be bypassed or reconstructed). It’s better for it to be out in the open instead of being in the dark and done the wrong way, without protection. Education and legalization are essential to protect our youth. This is what I said on a message board a few days ago: “a woman is still required to be a virgin here while men are required to have sexual experience… I wonder if people ever stopped and wondered just how the guys are getting that experience and with whom.” That’s too long for a comment, I know, my apologies. This is just so refreshing! :)

  2. nader says:

    I love sex and considered that art and creativity in the intimate relationships of love which has no end

  3. Chadi says:

    Great article and very interesting points of view. My favorite was that if society was more open to sexual freedom there would be much less prostitution, very very nice point.
    I hope that voice is heard…

  4. Razan says:

    إنو أنا معك بكل شي عم تطرحيه, من شكل تهميش عاملات وعمال الجنس سواء من قبل المجتمع, الزبائن أوالدولة. لكن أن نقول ببساطة أنهن يردن العمل مثلهن كمثل طبيبة أعتقد في ذلك رؤية رومانسية للقضية. لا أريد الجزم ما هو شكل أن أكون عاملة جنس في المنطقة, فهذا أمر على عاملة الجنس نفسها أن تصرح به. لكن هناك احصائية في مركز تأهيل عاملات الجنس في بيروت-نسيت اسمو- تقول أن عاملات الجنس يأتين ليس فقط من الطبقة الفقيرة بل من الطبقة المعدومة. فلا أعتقد أن فردا لا تملك شهادة تعليم والتي هي بحاجة الى القدر الادنى من النقود للدارسة أن يود أن يعمل بالجنس والذي كما أشرتِ, عمل لا حقوق له.

    أعتقد أن الجميع يود أن يكون لهن مستقبل ومهنة واستقرار مادي آمن, في دمشق تطوعت في مركز لتأهيل
    “الأحداث الإناث” وكن الفتيات عاملات الجنس جميعهن يعملن لأن والدهن أو زوجهن أو أخوهن أجبروهن على ذلك حتى صار الأمر طواعيا.

    في نهاية الامر, سواء عملن نتيجة اختيارهن او قسرا, لابد من قوانين لتضمن حياتهن, حقوقهن وصحتهن.

  5. اليس هذا الحال مع عمال الفاعل (من يحفروا ليلا نهارا طرقاتنا ومن يبنون بيوتنا تحت الشمس والبرد.. الخ) الم يجبرهم هذا النظام على هذا؟ وهنا السؤال لماذا لا نشعر عموما تجاهم او لا يشعروا هم انفسهم باحتقار او بأسى او بكارثة اجتماعية وانسانية، على الرغم من قساوة الظروف والاتجار بهم (من العمال “الغير شرعيين” والسوريين في لبنان) وخطورة ظروف العمل على صحتهم وحياتهم واستغلالهم الحياتي والاقتصادي. السبب هو اولا احتقار تجارة الجنس وثانيا احتقار النساء وتجريم سلطتهن على اجسادهن.

    احيي كاتبة المقال، اولا لانها شددت في هجومها على ظروف العمل وعلى النظرة المجتمعية لا على الوظيفة نفسها. امر لا نراه كثيرا في الصحافة او الخطابات العربية.ان الخوف من الحرية الجنسية وامتلاك النساء لاجسادهن امر يشكل عاملا كبيرا في تقرير النظرة الاجتماعية لعمل الجنس.

    اوافق مع الكاتبة ومع الواقع الذي طرحته رزان ولكن اعرف ان القوانين التي وضعت مثلا في اوروبا واميركا اللاتينية لتنظيم حقوق عاملات وعاملي الجنس لم تؤدي الا الى طردهن من اماكن عملهن الى اماكن اكثر خطرا لبعدها عن اوساط المدن والاماكن المأهولة “بالمواطنين والمواطنات الاسوياء اصحاب العائلات” مما ادى الى تهميش اكبر وخطر اشد على حياتهن. كما ركز على وضعهن في العتمة الاجتماعية مرة اخرى معتمدا على نظرة ان ما يقمن به لا يتوافى مع الاخلاق والتربية الصحيحة في مناطق العائلات. هذا البعد اوقعهن مرة اخرى في براثن تجار المخدرات والقواديين العنيفين وجعل العديد منهن في وضع اصعب من جهة التنقل بامان بين المنزل ومكان العمل هذا دون التحدث عن العنف الرسمي من قبل رجال الشرطة والدولة. كل هذا كان مبني على نظرة تمييزية وذكورية ومهينة. اطرحها لنبدا التفكير جيدا باي قوانين نريد او لا نريد. ان نحاور ونتكلم مع عاملات الجنس وعاملي الجنس لنفهم اكثر ما يردنه بحق ، دورنا ان ندعنهن/م ليطالبن هن حسب خبرتهن التي تفوق خبرتنا نحن الناشطات بالف سنة وسنة في سوق العمل الجنسي واحتياجاته

    فليسقط العمل بكل انواعه، ولتعش حرية اختيار الممارسة اليومية والتصرف بوقتنا وبطاقاتنا وباجسادنا بامان وحرية مطلقة ودعم متبادل

  6. مسافر says:

    هنالك تبسيط للأمور برغم ما يبدو لي من رغبة، قد تكون صادقة، نحو التغيير لبناء مجتمع أفضل. مداخلتي تعتمد على هذه النقطة بالذات: المجتمع الأفضل – و هو المجتمع الحر، العفيف، المنتج و العادل. فإن اختلفت أهدافنا بات الحوار بيننا حوار الطرشان.
    ليس كل عمل يكسب المال مهنة. لم أسمع قبلاً أن أحدهم مهنته تاجر مخدرات، أو بائع مخدرات أو قاتل مستأجر أو عميل صهيوني. قد يجني أحدهم مالاً كثيراً من بيع المخدرات أو المتاجرة بها أو بقتل الناس أو بالعمالة للعدو، لكن هذه ليست مهناً. و كذلك الدعارة و البغاء، فهي ليست من المهن و إن كانت أعمالاً تكسب مالاً. كما إني لم أسمع قبلاً بطفلة في الخامسة من عمرها تطمح أن تكون عاهرة. لربما طمحت أن تكون طبيبة و انتهى بها الأمر عاهرة، لكن هذا شيء آخر و سببه هو المجتمع وعجزه.

    أكره التعبير الذي درج بأن البغاء هي أقدم مهنة في التاريخ. أن لست مؤرخاً، لكنني أكاد أجزم أن أحدهم فكر في مبادلة دجاجة بقمحه، قبل أن تفكر إحداهن بمبادلة الدجاجة ذاتها بجسدها! و أكاد أجزم كذلك أن صاحب الدجاجة كان يبحث عن طعام آخر يأكله بعد أن مل أكل الدجاج، و لم يكن يفكر بأن يعرض على المرأة أن تعاشره مقابل الدجاجة. و هو إن فعل، فعلى الأغلب إنه أقنعها بأن تتزوجه مقابل تلك الدجاجة! ليس البغاء أول مهن التاريخ و أقدمها، هذا هراء و محض افتراء على إنسانية الإنسان و خصوصاً المرأة.
    حين يكون الفاسد المنحط الدنيء الذي يدفع المال ليشتري عفة امرأة و شرف الوطن و المجتمع زبوناً و حين يكون القواد المتاجر بأعراض النساء و أخلاق الناس رجل أعمال، تصبح المرأة بضاعة. و لا أظن أن امرأة تدعي اهتمامها بالشأن النسوي تقبل أن تكون المرأة بضاعة ففي هذا اسقاط لإنسانية المرأة – حتى و إن كانت عاهرة!
    يبقى الإنسان إنساناً و إن رمت به الدنيا، لتصبح امرأة عاهرة و يكون رجل قواداً. و الحفاظ على إنسانية هؤلاء لا يكون بجعل الممارسة قانوينة و “مهنية”، بل يكون بتطوير المجتمع ككل حتى يرتقي بابنائه بعيداً عن مفاسد الدنيا. التعليم و الارتقاء الذهني و الانتماء للمجتمع الذي نعيش فيه و الخوف على مصالحه و الاهتمام بالآخرين و احترامهم و قبول التعدد بأطيافه و طوائفه، كل هذا يشكل أهدافاً يجب أن نسعى إليها. حين يتحقق هذا، تحترم إنسانية الانسان في مجتمعه و تحترم إنسانية المرأة فلا تسقط في بؤر الرذيلة و الاستغلال. أنتِ تطالبين بطريقة ساذجة أن تحسن طريقة حياة غير سليمة، و كأنك تقولين: نعم من الممكن أن تكون مجرماً و قاتلاً و لكن لنسعى أن يكون في مجتمعنا قتلة محترمون. لم لا نجعل الجريمة قانونية؟ فيكون لدينا نقابة النشالين و نقابة الشراميط و نقابة القوادين و نقابة تجار المخدرات و بائعيها و نقابة القتلة و السفاحين؟ و نستخرج بطاقة عضوية سفاح أو نشال أو شرموطة أو قواد. و بإمكانهم أن ينتسبوا إلى دورات تعليمية توسع مداركهم في مهنهم تلك و يتبادلون الخبرات و يكون لهم تأمين صحي و معاش تقاعدي و يعين للقتلة محاميين لرعاية شؤونهم في المجالات القانونية. و حينها من الممكن أن تعلن إحدى العصابات في الجرائد عن حاجتها لقاتل محترف له خبرة لا تقل عن 5 سنوات في مجال قتل رجال الأعمال و مطلوب إثبات هذا بشهادة سجن لا تقل عن 10 سنوات! أو أن يعلن أحد القوادين عن حاجته لشرموطة بتقاعد دوام كامل مع تأمين صحي ومعاش تقاعدي، أو بدوام جزئي و حينها يكون العقد دون معاش تقاعدي ويدفع فقط 50% من التأمين الصحي! على أن يكون سنها بين 14 سنة و 22. طولها لا يقل عن 160 سم. مقاس الصدر B على الأقل. تتكلم 3 لغات غربية و لا تمانع المعاشرة بغير واقي! الفتيات تحت سن 18 بحاجة إلى موافقة ولي الأمر، و لا تقبل طلبات غير المنتسبات لنقابة الشراميط.
    حينها باستطاعة أي فتاة تحلم بأن تكون شرموطة أن تتأكد من نقابة القوادين عن صحة الإعلان و عن مسموعية القواد و صدق تعامله مع شراميطه. و بالتالي تضمن حقها المالي و المهني. و باستطاعتها لاحقاً أن تتقدم بطلب إلى شركة شرمطة عالمية بناء على خبرتها مع قواد محلي ذو مسموعيات عالية و تعاملات مع السواح الأجانب.
    و من الممتع حقاً إن تخصص ضرائب الدخل على الشراميط و القوادين و السفاحين لبناء مدارس و دور أيتام و دور رعاية اللقطاء و العجزة. و بالتالي ينتفع المجتمع كله من التمتع بأجساد عاهراته.

    احترام حقوق النساء اللاتي وقعن في مصيبة العهر، يكون باخراجهن من مصيبتهن. يكون بالتعليم و بالارتقاء بالمجتمع كله: بقدراته العقلية و الذهينة و الدينية و المالية. يكون هذا ببناء نظام قضائي غير فاسد يحمي المغبونين و يضرب بيد من حديد على من يستغلون بقية أفراد المجتمع. يكون كذلك بالارتقاء بمستوى الأسر و بالانفتاح السياسي و بالسماح للناس أن تتناقش و تعبر عن أفكارها و أن تخطأ و أن تصلح من أخطائها و تتعلم منها. و يكون هذا بأن تدرك العاهرة بأنها في بيئة وسخة لعلها تسعى للخروج منها، لا أن تكون العاهرة موازية للطبيبة أو المحامية!

Leave a Reply




If you want a picture to show with your comment, go get a Gravatar.