Subscribe via RSS Feed

بين النقّ والضغط وقصص التهويل، النسوة خارج النظام

[ 2 ] November 30, 2010 |

جنى نخال

ترشّ  ماري الخليط لدجاجاتها بينما تحدّثهنّ “تعي إنت يا عجعوجة تركيلن أكل لإخواتك.هيء هيء هيء…” و تضحك بينما تتعثّر الدجاجة الحمراء المدوّرة و تقع فيصعب عليها الوقوف لوزنها الزائد.

تمشي ماري في حديقتها و كأنها ترقص. تطعم الدجاجات، تحملها، ترميها، تلتفت إلى الكلبة، تحدّثها وتضحك فترى القطط… تركض وراءها ثم تحضن الصغرى منها، و تتركها بينما تمدّ يدها الأخرى لالتقاط السلحفاة و تتوجّه إلى شجرة الموز فتأخذ موزة عنها و تعطيها لي لآكلها… ملوّنة و متحرّكة وراقصة و صاخبة هي. أأكلتنّ يوماً موزاً “طازة من الشجرة دغري”؟

جارتي ماري في الثمانين من عمرها، على فكرة، تندهني كلّما حلى لها ذلك، لأنزل و أستمتع معها في الحديقة التي “بنتها” و زرعتها. أسأل ماري عن دجاجاتها “كلّن دجاجات، ما في ديك؟”، تردّ و عينيها تلمعان بحنكة “ولا ديك. خمس دجاجات. أنا ما عندي ديك، محرومة. خلّيهن هنّي كمان يكونو محرومين!” أضحك و أقول لها “معك حقّ يا ماري”.

في الحي الكثير من جاراتي النسوة إماّ غير متزوّجات أو اللواتي “قبرن” أزواجهنّ و بقين هن، يصارعن الزمن و يتحدّين طول العمر.

الوحدة” موضوع يومي عندهن، يتعاملن معه كما يتعاملن مع قرار طبخة اليوم أو موعد الغسيل الأبيض أو الملوّن. “مع من سأتكلّم اليوم” و “أين سأقضي بعد الظهر؟” إشكالية تتأتى من إحساسهن بالفراغ و الوحدة لموت الشريك أو عدم وجوده من الأصل أو هجرة البنات والأبناء. فتتكوّن الروابط بينهنّ و تشتدّ او تضعف. أذكر استيقاظي كلّ صباح في الصيف وأنا أسبّ الملائكة ومن لفّ لفّهم، لسماعي صراخ أم شربل و أم جرجس تلعبان اللّيخة أو الباصرة الساعة السابعة صباحاً. و أم شربل تعاني من فقدان الذاكرة –الزهايمر- فتنسى كلّ ثلاث دقائق إن كان دورها و إن ربحت أو خسرت و أي ورقة تربح… و يبدأ الصراخ وتنتهي الصبحية بأم جرجس وهي تجرّ أذيالها حانقة خاسرة. أم شربل تظنّ دائما أنّها الرابحة.

توفّت أمّ جرجس. وافتها المنّية وهي نائمة. لم أصدّق. فكّرت أنّني سأشتاق لرؤية هذه المرأة تمشي ببطء في آخر الشارع. وكانت المفاجأة، عندما صعدت أم شربل تزورني وقالت: “ماتت أم جرجس” وانفجرت بالبكاء. كنت، لغبائي، أظنّهما جارتين تكرهان بعضهما لا أكثر. وكان صراخهما وسخرية أم شربل يجعلانني أرى العلاقة التي تربطهما مختلفة. ضربني منظر أم شربل على رأسي. “العلاقات الإنسانية ليست دائماً كما تظهر يا قليلة العقل!” كانت تبكي الذكريات و الإنسانة ووجود شخص لتتشاجر معه. كانت تبكي الصحبة.

فاجأني قريب لي الأسبوع الماضي بمناقشة موضوع الزواج. “موضوع الزواج” هو الأمر المحبّب ربّما في العائلات اللبنانية (عفواً للتعميم) و لكنّه الأمر الأكثر من محبّب- هو المقدّس و المشجّع و المحمود و المصفّق له في عائلتي. يفتح في الأعياد كالهدايا، من قبل المتزوّجات والمتزوّجين ليشدّدن على أهميّته و سخافة حياتك من دونه… “فما تنبسطي كتير بصحابك، كلّو هيدا بيروح يا تانت”. ولنتناسَ برهة مشاكلهنّ الزوجية والخيانات والأطفال المشبعين عقداً نفسيّة. ولكنّ الجديد في الموضوع الذي فتحه قريبي هو اعترافه بالعلاقات على أنواعها وأهمّيتها في حياتنا. قال لي: “وشو بيصير إذا ما تجوّزتي بالمرّة؟!” …أفّ! هذا إنجاز في عائلتي! كم كنت شاكرة لهكذا حديث.

يجعل النموذج السائد للعلاقات الاجتماعية الفرد عبداً لشكل واحد من التفاعل. يسخّف الروابط الاجتماعية و يركّز تفكيرنا وعملنا ووجودنا على هدف واحد، إيجاد عريس و الزواج منه قبل أن يدرك مخططنا. ينظر إلى النسوة غير متزوّجات على أنهن “غلط”، خطأ جيني-اجتماعي-سياسي-اقتصادي. و يكون مفهوم المدافعة عن وضعهن بصورة “المعتّرة” أو “حرام”، فهنّ النسوة الضعيفات البائسات اللواتي ليست لديهنّ حياة. لأنّ الحياة لمن تستطيع أن تؤمّن استمراريّة بذرته واسم عائلته.

المشكلة الكبرى لهؤلاء النسوة ولي ولأي امرأة تختار أو تجد نفسها دون زواج، هو وجودنا خارج النظام البطريركي والرأسمالي حيث نغدو من دون أي قيمة.

Tags:

Category: Body Image, Featured, Gender-Based Violence, Nasawiya عربية, Sexuality جنسانية

About Guest Contributor: View author profile.

Comments (2)

Trackback URL | Comments RSS Feed

  1. Mireille says:

    ano i totally fell in love with the article till كانت تبكي الصحبة.

    the article took me back in memory to my grandparents, our old talks and to the many elderly people i know and don’t dare to think if i should be saying “knew”

  2. amani says:

    حلوه عجبتني…
    بس انا اعتقد المجتمع بشد عالبنت تتزوج مشان ما يصيرلها زي ماري لما تكبر وتبعد عن عيلتها !
    يعني لراحتها المستقبليه :)

Leave a Reply




If you want a picture to show with your comment, go get a Gravatar.